صديق الحسيني القنوجي البخاري
376
فتح البيان في مقاصد القرآن
والمعنى أني لا أدعي شيئا من هذه الأشياء الثلاثة حتى تقترحوا عليّ ما هو من آثارها وأحكامها وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلا على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعا ، بل إنما هي عبارة عن تلقي الوحي من جهة اللّه تعالى والعمل بمقتضاه فحسب كما سيأتي . وليس في هذا ما يدل على أن الملائكة أفضل من الأنبياء ، وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ولا دنيوية ، بل الكلام في مثل هذا من الاشتغال بما لا يعني ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه . إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وقد تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء عملا بما يفيده القصر في هذه الآية والمسألة مدونة في الأصول والأدلة عليها معروفة ، وقد صح عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « أوتيت القرآن ومثله معه » « 1 » . قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ هذا الاستفهام للإنكار والمراد أنه لا يستوي الضال والمهتدي أو المسلم والكافر أو العالم والجاهل أو من اتبع ما أوحي إليه ومن لم يتبعه ، والكلام تمثيل ، قال قتادة الأعمى الكافر الذي عمي عن حق اللّه وأمره ونعمه عليه ، والبصير العبد المؤمن الذي أبصر بصرا نافعا فوحد اللّه وحده وعمل بطاعة ربه وانتفع بما آتاه اللّه . أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ في ذلك الكلام الحق حتى تعرفوا عدم الاستواء بينهما فإنه لا يلتبس على من له أدنى عقل وأقل تفكر . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 51 إلى 53 ] وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 ) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 ) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) وَأَنْذِرْ الإنذار الإعلام مع تخويف . والضمير في بِهِ راجع إلى ما يوحى وقيل إلى اللّه وقيل إلى اليوم الآخر ، وخص الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لأن الإنذار يؤثر فيهم لما حل بهم من الخوف بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له ، فإنه لا يؤثر فيه ذلك . وقيل ومعنى يخافون يعلمون ويتيقنون أنهم محشورون فيشمل كل من آمن بالبعث من المسلمين وأهل الذمة وبعض المشركين . وقيل معنى الخوف على حقيقته والمعنى أنه
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 129 .